آخر الأخبار
الـرئيســية -> أقـــلام -> قـصـة (يومٌ لا يمضي)

القصة الفائزة بالمركز الأول في مسابقة إثراء2

قـصـة (يومٌ لا يمضي)

FacebookTwitterGoogle+LinkedInEmail

٩:٢٤ ص:

أيقظني خوفي، و ثِقلٌ معدوم الملامح أراه يلُوح أمامي، كشيءٍ أسودٍ نزقٍ يسيل عبر ثغوري، ثم يختبئ في الجدران

أعتدل عن الاستلقاء، مُدققةً في ملامح اليوم الأول بدونه

لا شيء، لم تنوي الحياة أن تُسدل بيدها الحانية على كتفي، أو أن تلبِس رداء العزاء لصباحٍ واحد، وتهمس للسماءَ “أن أمطِري قليلًا من أجلها”.

 كل شيء في مكانه المُعتاد، الأشعة إلى قرارها النهائي داخل خزانتي عديمة الأبواب، وذات الطير يرقدُ في عشّه الذي سمحت له ببنائه على نافذتي العالية، وذات الحوض بزرعه وفِطره أسفلَ منها – لا يحيا ولا يموت.

وما للأشياء ولعزائي؟ أكنت لأكترث إن غاب الطيرُ يوميًا أو انثنى ساقًا من الفِطر؟ لا.. ولن ألحظ ولن أبالي، وهاهو كل شيء يردّ لي دَين اللامبالاة.

بالكاد أقف على قدماي، و بالكاد أسحب نفسي لغسل هذا الوجه وما تكلّس فيه من دموع الأمس. أردت أن ألمح عيناي اللتانِ أجزم أنها بحجم برتقالتين مزّقها النُضج والكُبر.

ولكن، مرآتي ليست موجودة! أين هي؟ أيعقل بأنها تحطمت في البارحة وتخلصت منها؟ أم أنها مفقودة من قبل ذلك؟

هل كان هنا مرآة في الأساس؟ أم أنني أختلق ذلك ثم أفتقده إليه؟

لا يُهم، أريد فقط أن أدفع نفسي بكل ما أوتيت حتى أصل لنهاية يومي هذا، وإن لأسوأ ما في المصائب بداياتها، إن تخطّيت هذا اليوم – هذا فقط – فسأقدر على المضِي قَدمًا، إن استطعت عبور هذا اليوم الهُلامي فقط …

١٠:٠٢ صَ :

واقفة في منتصف المنزل ، و دافعة دقائق من وقتي لتأمل حال اليوم.

يبدو مُشرقًا على غير العادة ، و أبدو هادئةً على غير عادة الأمهات الثُكالى !

خجلت من نفسي ، ولكن ماذا أفعل ! لا شيء يرضى بأن يفضح نفسه على وجهي ، لا دموعٌ ولا وجع ، لا شيء ، الكثير من اللاشيء ! و عندما أقول ذلك ، فإني أعنيه حقًا .. لا شيء ، بل و أشعر أن بداخلي بئر عديم القاع ، فمن أين ستأتي الدموع !

لا يجب أن يكون يومي هكذا ، ولا يجدُر بكل أمومة في صدري أن تخذلني الآن ! ماذا سأقول لنفسي لاحقٍا ؟ أنني لم أبكِ ابني صباحَ اليوم الثاني من موته ! يا للعار.

كنت فيضًا من الدموع يسكبه أي منظر ! طفلًا تائها أو مشهدًا تمثيليًا .. و الآن ، ويا عاري من الآن ، أحسست فجأة بخسفٍ شديد في جوفي ! خسفٌ ابتلع معه كل ما أحتاجه لأخفف من وطأة هذا الفقد على نفسي ..

تدور عيناي في المكان ، و يلاحظ عقلي أن هالة من السواد عمّت كل شيء بالرُغم من الإشراق !

لطالما أيقنت أن للحزن مظهر و ملمس ، و أنه حقيقة و حاضرًا كجسدي الذي يأخذ حيزًا الآن. و الحزن ليس ملموسًا فقط ; بل و إنه كرجلٍ نزقٍ كريه يجلس أينما جلست ، يحدّق طويلًا بي لحتى أنني ألتفت كل دقيقة في محاولة بائسة لتحديد مكانه. يجلس في كل مكانٍ قابلٍ للتّلبس ، و ينزِعُ معطفه النتن منذ أن يدخل ليرمي به فوق أثاثي و روحي معًا.

للحزن هالة تنسكب على كل شيء ، كغرفة معيشتي الآن ; كل ما فيها مُنار ، ولكن لا أستطيع تجاوز المعطف المُلقى على كل زاوية ، و الذي يبدو بأنه بقاؤه سيطول كثيرًا.

و بما أن ضعفي يأبى الخروج ، علي أن أملأ هذا الجوف ، علّ الدماء تستعيد شيئًا من نشاطها و يعود لهذا الجسد لونه ، لا يصلُح أن أموت أنا و ابني سويةً ، على أحدنا أن يظل حيًا ، و يروي القصة !

أصنع إفطاري مثل كل يوم من حياتي ، ذات الأطباق و ذات الطعم ، ولكن ، لا حاجة لي بوصف طعم إفطار اليوم أليس كذلك !

أو أن أقول كيف ملأتُ طبقًا آخر ، لأضعه أمام كُرسيه الفارغ .

١١:١٢ صَ :

يدًا على خدّي ، و أخرى في حجري ، هناك حيث كنت لأُبقي صغيري لآخر رمق ..

لقد كان في العشرين ، ولكنه صغيري.

كان يفوقني طولًا ، ولكنه صغيري.

كان يهتم بشؤوني كابنة ، ولكنه صغيري

كان راحلًا يُدافع بجسارة عن وطن بحجم قارة ، ولكنه صغيري و وطني ، وما بين كتفيه بِلادي.

أنجبته صغيرة ، في السابعة عشر ، في قريةٍ من الظالمين .. وضعوني في حُجر عجوزٍ أكِل عليه الزمن وشرِب ، وقالوا : زوجُكِ ، و من ستُفنين حياتك له.

بكِيت دمًا في يوم معرفتي بحملي ، أمن في مثل شبابي تحمل طفلًا لا تأمن حياة والده ؟ ولا غدره ولا التخلّي ، الذي يجعل من هم أمثاله يتركون عمرًا كاملًا في قُراهم من أجل أنثى أخرى سمعوا عنها ؟

ربّيت عُمَر الصغير لوحدي ، لم أشعر يومًا أنني امتلكت يدًا حانية تعينني على طفلٍ أجهل من شؤونه الكثير ، ولكنني لطالما آمنت أن الله مثلما زرعه في جوفي ، أرسل معه أمومة في صدري تُبقيه حيًا بعد أن يغادر مكانه الأولي ، المُجاور لقلبي.

لقد كان وسيمًا ، و كأن الجمال سُحِب من بني آدم و وُضِع فيه ، أتراني أقول ذلك لأنه ابني ؟ أم أنه كان وسيمًا بحق ؟ ، لا أعرف ، ولا أريد أن أعرف .. أريد فقط أن أمرر أصابعي على ذاك الوجه الكامِل ، عسى ما أخذه بعيدًا عني ، يكُن سبيلًا لوضعه في أعالي السماء.

لقد كُسرت ، أيحتاج ذلك للشرح !

كُسرت لحتى أن الوقوف يؤلمني ، و النَفَس يعبث بصدري غير مُدركًا لوجهته المُقبلة ..

أكان لهذا الكسر أن يكون أخف وطأةً لو أن لي أطفالًا غيره ؟ أو أنني لم أربيه و أكترث لذاك الحد ؟

الآن ، و يا الله اغفر لي ، أتمنى لو كنت أمًا سيئة !

لم أكن حينها لانطفأ للحد الذي تبدو معه الدموع أمر سطحي للغاية .

لو كنت أمًا سيئة ، أكنت لأتجاوز هذا اليوم العصي على المرور ؟

أكنت لأنسى و أمضي قدمًا ؟

ألا يعي الموت أنه يقتلنا معهم في ذات اللحظة ؟ و أننا أجدر بالحِداد ممن مات ؟

إن فيّ رغبة شنيعة أن أظل هنا ، أحدق في كُرسيه إلى الأبد ، عسى أن يحِنّ علي المنطق ، و يأتي به لِيُجلسه أمامي ، كما كان صغيرًا ، و كما سيكون دائمًا في عقلي.

يقولون أننا لا نفتقد الموتى ، نفتقد فقط إلى كل الفراغات التي كانوا يملؤونها !

تبًا ، ألم يفقد أحدهم ابنًا يومًا حين قالوا هذا !

بلى والذي رفع سماؤه العالية و آوى ابني عنده، إنني لأفتقده بكل ما أعطى الزمان من معنىً للفقد !

أفتقده ، و أفتقد فراغه ، و أفتقد المُستقبل الذي لن أعيشه معه !

٢:١٥ مَ:

بابُه نصف مفتوح ، و دعوات إلى الدخول تنهال علي كلما سقطت عيناي سهوًا على بابه .. إن كان حنيني لوحده تنأى عن حملِه الجبال ، فكيف برؤية حياة كاملة خلّفها وراؤه على هيئة أغراضٍ و شذىً مُعلق في الهواء إلى يوم يبعثون !؟

أقف بلا اختيار، وأمشي بلا بصيرة .. لم أعرف يومًا ما حجم الأسى فيما خلّفه الموتى !

كل شيء يبدو باهتًا و ملامح الخذلان تسيل عليه ، و الوعود تبدو أسيرة مكانها ، لا مُنفذة ولا منسية .. أستطيع رؤيتها في التقويم المُعلّق أمامي ، و خطوط الشطب و الملاحظات .. و تاريخٌ ممزق منه ، سُجّل عليه اقتباس : ” الانطباع الأول يضرب جذوره عميقًا ، نادِرًا ما يتم اقتلاع هذا الأثر الأول ” (١)

ما الذي ضرب عميقًا فيك يا عمر ! ما الذي آلمك اقتلاعه من الجذور !

أهناك من خذلك ؟ لعِب بقلبك و تركك للأيامِ تنهشُك !

ليتك تركت اسمًا أو مكانًا ، أو تلميحًا ، و لو استغرق ذلك مني سنينًا لفكّه ..

على ذات الرف ، يوجد إطار لصورة مفقودة ! أعرفها جيدًا ، و لكنها أُزيلت ! يبدو أن أحد النِسوة في العزاء فعلتها ..

 لقد كانت صورة تجمعني به بعد ولادته ، أتذكرها جيدًا .. كنت في رداءٍ أبيضٍ طويل ، و يلتف حول خاصرتي شريط أبيض مَرخي ، و عمر في حضني و قد وضعت رأسه على ذراعي الأيمن ، و باليد الأخرى كنت مثبتةً نهدي الأيمن في فمه .. لم يكن في الصورة مصدرًا للنور سوى النافذة التي كنت أجلس أمامها ، و قد وضعت ساقًا على الآخر ، و شعري الطويل رميت به على كتفي الأيسر لئلا يزعج هذا النائم الصغير ..

لا أذكر من التقطها، ولكنها كانت لا تُنسى، ولا أستطيع وصف ما ينتابني عند رؤيتها .. كانت تسيل بكل إحساس زُرع في النفس البشرية .. أمومةٌ صارخة ، و دفءٌ مريح و أُلفة تنثر النوم على الأجفان ..

أكملت تأمل المكان ، و قد حملت الإطار الفارغ في يدي ، وبنفسي رغبة في جمع أغراضه و إخفاؤها .. و رغبة أقوى في ترك كل شيء على حاله ، عسى أن يعود يومًا أو يعود حُلمًا ، و يستكمل وعوده المُعلّقة ..

كتبه المنوّعة منثورة في كل مكان ، و قد ضاقت عليها الرفوف و اتخذت لنفسها دارًا في الزوايا و بجانب الوسائد .. و هناك في الحائط الأمامي ، خريطة صغيرة مُثبتة بشريطٍ لاصق .. و انتشرت عليها دبابيسٌ زرعناها سويّة !

دبٌوسٌ في كل مدينة عُرفت بالأدب و الفن كان ذاك حُلمه !

أن يزور أكبر عدد من المعارض الفنّية و المكاتب التي توازي في ضخامتها مُدنٌ بأكملها ..

وضعت الدبابيس معه، و كتبنا الملاحظات سوية ، و خططنا لأسفارٍ و مُتعٍ لن تأتي ..

لم تكن الأشياء تمثّل ماضيه فقط ، بل حاضره و مستقبله و كل ما كان يريد أن يكون ، و كأني أنظر إلى ما كان سيصبح عليه ، لو أن عمره طال بِضع سنواتٍ فقط !

كُتبٌ لم تُقرأ ، و أخرى لا تزال في صناديق الشحن ، و مجموعة تُركت مفتوحة على صفحات مُعلقة تنتظر رجوعه ..

قِصاصات و أوراقٌ موزّعة في كل مكان ، إحداها تحمل جُملة بخطٍ مُتعرجٍ و كأنه كان في غمرة عاصفة تعبث في دواخله : “لا شيء يدعو للثبات ، اقِم انهياراتِك”

متى كتبها و لماذا ؟ و لم خطّه حزين مُتعرج وكأنه يشق طريقه بصعوبة ليصل إلى المفهوم ؟ و كأنه يتقيأ مأساته بصعوبة !

لماذا قد يكتب شيئًا كهذا ! أعرف عمر أكثر من نفسه ولو أبديت العكس .. إنه لا يُخفي عني حُزنًا ولا فرحًا ! لم قد يكتب اقتباسًا بهذا الكم من اليأس !

ماذا لو كان اقتباسًا أعجبه فحسب ؟ ولكن .. خطّه لا يكذب ، التعرجات و صعوبة الوصول تظهر جليةً على كُل الحروف ..

وهنا على غلاف الكتاب الآخر ، ترك قصاصةً أخرى : ” سأمشي للمشيـب معك ، بكل طفولـةٍ في القلب “

هل كان يُحب أحدًا؟ لم يخبرني يومًا أن الهوى تمكّن منه .. ويا لعِظم حظّها من سيمشي عمر معها إلى المشيب !

ولكنه رحل قبل أن أفرح بِخصل المشيب في شعره و قد صار رجلًا يُسند إليه وطنًا وجبالًا .. كان ليكون آية في الحُسن ، و مثلًا في الثبات .. كيف لا وقد كان يُقال له من شدّة الحِكمة : لولا لمعة الصِبا في عينيك ، لقلنا شَيخًا في جسد حفيده ..

كان من النوع الذي يشعر بأن كُل دقيقة عمرٍ هي دَينٌ يجب أن يُحسنَ سدادُه ! لم يتوقف يومًا عن جعل نفسه أفضل من الدقيقة التي تسبقها ، و يفعل ذلك دائمًا .. و يُعلّقني في حُبه أكثر ، و يتركني وحيدةً الآن بشيء لا يُشبه الحزن ولا يحمل روح الحِداد ، بل أهوى قاعًا و أشد انحدارًا !

أكان جيدًا للغاية على هذا العالم ؟ ألهذا يرحل الجيّدون مُبكرًا ؟ خوفًا عليهم من أن يتلوثوا بما تتركه آثار العمر الطويل عليهم ؟

ولكن ماذا عنّي ؟

” ‏فمنْ لي يُقصِّر ليلي الطويل؟

‏ومنْ لي يُعيدُ وجودي إليّ؟ “

تتلمس يداي أحلامه المُتمثلة في كتابٍ جديد ، خريطة مملوءة بالملاحظات ، زجاجة عِطر تتمنى لو ينتهي عمرها رذاذًا على جسده الطاهر دائمًا ، و أبدًا ..

إن العيش من بعده لصورة من صور الأنانية ! و كل فرحة ليست سوى مدخلًا للندم و مخرجًا للدمع .. أشعر بأنني مُحيط يفيض من عيناي مع كُل عاصفة من الذكرى .. أريد أن أحقق له أحلامه التي لن يعود إليها ، ولكن كُل حلم مُتحقق من غيره ليس سوى ورقةٍ ستفقد زهوها سريعًا طالما لم يسقها بفيض فرحته !

و حتى أحلامنا المُشتركة، لن تكون بمثابة الوعد الذي أحققه له ! بل نصلًا ينغرس في صدري كلما تذكرت أن الحُلم سيتحقق من دونه !

أرى ما خلّفه ، و يزيد علي ثقل ذاك الشيء في صدري ..

‏” هذا ليس حزنًا ، الحزن يسيل و هذا الشيء اللعين يتكلس في الصدر “

الحزن يسيل و يُخفِف عنّي ، وهذا يبقى و يتراكم و يُثقلني معه ، كسحابٍ أثقلته أمانته ، ولكن ما من رِيحٍ تنزع ما فيه و تحمل عن عاتقه القليل ..

أشعر كغيوم ستُثقلها أمطارها إلى الأبد ، و تُغرقها وحدها بصيبٍ من الوجعِ لا يُبقي ولا يَذر !

استلقيت على فِراشه المُهمل ، و أنا أزرع وجهي في وسادته وكل ما يحمل نسيمًا منه ..

أحسست بالنَوم يُثقل أجفاني ، و شيء من البرود يكتسي روحي .. أليس علي أن أغسل وسائده بدمعي ؟ و نصير كيانًا واحدًا من شدة الالتصاق ؟ ما بالي وقد نفى الدمع عيني و حل مكانه نظرات لا تحمل شيء ، مُعلقةً في الفراغ ، و شذاهُ يزيد من نُعاسي ..

إن ما فيّ عظيم ، عظيم للغاية .. لحتى أن البُكاء ليس الوسيلة المُثلى له !

إني أبحث عن أمر أشد عمقًا ، و شعائِر أعظم لأُخرج بها ما تكلّس في صدري .. مع علمي التام بألا هناك فِعلٌ يوازي في عظمته ما استقر في جوفي ، أو أن يكون اِنعكاسًا مُناسبًا له ..

وهناك ، في خزانته المفتوحة ، تعلّقت بذلته العسكرية الصغيرة ، و قد وقف حذاؤه بجانبها ..

ما لي و ما للحروب معي ؟ يُنقَذ وطنًا ، و أخسَر عالمًا بأكمله ..

لقد كان ذاك قبيل تخرّجه بقليل ، حين احتدمت الأطراف ، و فرغت المدينة من كُل شبابها فجأة .. و قد عانقوا الحدود و عانقت أذرعتهم أسلحة بالكاد كان لهم الوقت ليتدربوا عليها .. لكن حصل كل شيء بلمح خاطٍف للأبصار، واجتاحت الضربات كل مكان في آن واحد ، و على كل شيء الآن أن يُصبح مصدرًا للدفاع ، أكان بشرًا أم كيسًا من الرمل ..

و كنت أنا ، أخوض حرب الخوف فقط ، و كأن في أذناي عزلًا عن أصوات القصف و الصراخ .. كانت حربي الوحيدة و الخاصة تدور في الداخل ، ما بين نفسي و نفسي .. ما بين أملًا في عُمرٍ طويلٍ لعُمَر ، و يأسًا خالصًا في عودته لحجري و وطنه الأم ..

نظن في ولادتهم أنهم خرجوا منّا ، انفصلوا ، و لكلٍ منهم عالمًا يخُصه !

ولكن ذلك لا يحدث أبدًا، إنهم يُزرعون فينا منذ صرخة الوَضع حتى أنين النزع !

كل دقيقة تعبرنا سوية، تحيطنا بحبلٍ شديد الوِثاق .. لا ينحلّ ولا يتحلل ! لا بموتي ولا بموته !

عند ولادته ، أظن جوفي لم يكن واسعًا كفايةً ليحمل ما أكنّ له ، لذا، نحن نلدهم .. عسى أن تكفيهم حينها أرواحنا و تفاصيل يومنا الصغيرة ، لتخبرهم أننا لهم و فيهم ، و أن تلبّس الجسد من قبل روحٍ أخرى ما هو إلا حقيقة و صدق و استكمالًا لحياة كانوا يقضونها في الجوف و جوار القلب ..

٥:٤٠ مَ:

رأيته ، و أعرف أنني سأراه في منامي طوال عمري .. كان بذات الصِبا و ذات الرغبة في الحياة .. ولكن ، رأيت في عينيه نظرة لم آلفها !

و طوال حلمي به ، لم أستطع الحديث معه .. لم أقدر على بدء حديث أو إخباره كيف أن حدادي سيكون أزليًا ، طويلًا ، و سرمديًا !

و تلك النظرات ، لم يكف عنها ، ولم أستطع الإشادة بعيني بعيدًا عنه .. كلانا ينظر للآخر بكل ما أوتي ، وكلانا أبعد مما نتصور ! ظننت حنيني قبيل النعاس سيقود عقلي لاحتضانه في المنَام ، ظننت رغبات الإنسان تجتمع في موتته الصُغرى لتقود أحلامه حيث يريد ، لتريه ما يتنمى ..

حملت نفسي بثقل وبكل ما تعلّق بي من شذاه الآسر خارجةً من صومعته الصغيرة و مُغلقة الباب بشدّة ..

أتراها تلك نظرات غضب منه؟ أعاتبٌ عليّ لما قُمت به من خرقٍ لمكانه و ما خلّفه من بقايا تُمثل كل ما فيه ؟

لم يبتسم لي! و لم يرفع عينه عني. الكثير من اليأس اجتمع في مقلتيه، و حجب عني أعينٌ ألفتها و حفظتها عن ظهر غيب ..

مَكسور ، هذا كل ما استطعت فهمه من تلك النظرات .. أتراه مكسور مثلي على نفسه ؟ على كل ما وضعه من أملٍ لحياةٍ لم تتخطّى العقدين من الزمن ؟!

أتراه يرثي نفسه و ما ودّع؟ أتراه يودّعني بذلك، و يشعر بذات الإنطفاء الذي سأتخذه خليلًا طوال عمري ؟

ماذا أفعل الآن، كيف يتوقف التفكير فيه..

كيف يقضي المرء أول يومٍ دون فقيده ؟ ماذا فعلن الثُكالى في أول يوم لهن على مر الزمن ؟

اتخذت لنفسي مكانًا على الأريكة وعيناي تائهة لا تعرف لنفسها مقر .. ماذا أفعل الآن، البُكاء عصيّ على القدوم، و النوم انتفت عنه صفة الراحة ! طالما تلك النظرات سوف تزورني مرة بعد مرة بعد عشرة!

ضغطت على زر التلفاز، عسى أن تجد عيناي ما يخفف عنها ضياعها ..

محطة بعد محطة .. و وجوه بعد وجوه ، لا الألوان تشي بالفرح هنا ، ولا الموسيقى قادرة إيصال بهجةٍ أو بسمة ..

لا شيء مثيرٌ للحياة ، ولا رغبة في الثبات على محطة قد تشغل تفكيري للحظة ..

تعبر أمامي صور لجثث ، و أخبار سقوط المِئات ما بين قتلى و جرحى .. و لا يحرّك فيّ ساكن !

و مع مرور المزيد من الصور و البشر و الحياة .. أعي أكثر بأن لا حياةً سوى مافي دواخلنا !

إنه ما يُسعد و ما يُحزن .. ما يبني وما يكسِر !

الموسيقى لم تكن يومًا شيئًا سعيدًا ، بل إنها شيء يعبر الأرواح كالهواء الساكن ، و وحده مكنونك يخبرها مصيرها ; سعيدةً أم مُبكية ..

و الألوان لها ألف شكلٍ و معنى ، استنادًا إلى لون روحك ! أترى النور الأصفر يعبر زجاجًا أسودًا ؟ أم أنه يذوب فيه ليخبر السواد عن شدّة سواده !

كُل شيء نسبي ، هذا ما أؤمن به .. كل شيء عائدٍ إلى المدى الذي تستطيع أن تسمح له بالعبور منه ..

و أنا ، ما اللون الذي سيعينني على المتبقي من ساعات هذا اليوم ؟

أي لحنٍ قد يحمل القليل عني .. أي صبرٍ ألتمسه وقد نفذ مكنوني ، بل نفذت نفسي من نفسي و قد أخذها عُمر بين يديه و رحل ..

” أشعر بأنني بُركانٌ سدّت فوهته “

لا انفجارٌ ينوي القدُوم و يزيح عني .. ولا راحة تُخمد شعلةً ستذيبني قبل أواني !

أما من أحدٍ ليجيء و يؤنّس غرابة هذا اليوم ؟ أما من أحدٍ يخبرني كيف أعارض قوانين الحياة و أسبق الزمن إلى الغد !؟

قالت لي النسوة في الأمس أنهن سيأتين لثلاث أيامٍ متتالية ..

أينهن و أين ما وعدنني به ! أحتاج حركةً في هذا المكان الأشبه بالموت ، أي أحدٍ ليشتت ذهني .. أي أحدٍ ليُصبرني ولو كان نِفاقًا !

٨:٠٩ مَ:

أدور في المكان، وأتفحّص كل الغرف..

لا أستطيع أن أهدأ، لقد كانت هذه ساعة قدومه كل يومٍ من العمل !

و كُل ما فيّ وقف لاستقباله ! عقلي يعلم جيدًا أنه لن يأتي ، ولن يأتي أبدًا .. و دواخلي الأشبه بالكون في سعته تكذّب هذا العقل الصغير في رأسي المُشتت .. أهذا ذُهانٌ من نوع ما ؟ أشعر أنه سيطرق الباب ! و ها هو شعر جسدي يقف انتظارًا لذلك .. أشعر بذلك جيدًا ، و عندما يشعر قلب الأم ، فلا مجال للتكذيب ! ولكن ، مرّت خمس دقائق .. و إن لم يأتي الآن ، لأكون من الكسيرين ..

تبًا لليل وما يجلبه معه من انتظار ، من حنينٍ و تكذيب يتبعه تصديق !

لقد كان النهارُ أهون في بروده ، ما بال ليلي اشتعل ألمًا هكذا !

قدماي تهتزّان بشدة وقد جلست من شدة الإرهاق ..

لابد أن يأتي ، كيف يتركني لبأسي وحيدة هكذا !

أعلم بأنه سيقف أمام الباب مثل كل يوم ، يطرقه ثلاث مراتٍ سريعة وقد نسي مفاتيحه كالعادة .. و يضع اصبعه ضاحكًا على عدسة الباب لئلا أرى وجهه !

لو كنت تعلم بأنني سأفتقد ذاك الوجه للأبد ، أكنت لتمنعني من رؤيته كل مساء ؟

أكنت لتحجبه عني بإصبعك و شفتاك تبتسم ، لأنها تعرف بأنني سأفتح لك بشعوري أنه أنت ؟

أكنت لتقفل الباب على نفسك عند القراءة لئلا أشتتك ، و أقطع حبلًا من الأحلام بنيته عند قراءة اقتباسٍ ما ؟

انظر الآن ، أنا من يقرأها و أنا من يفتح الباب عليها و يتلصص ليرى أي الكلمات سرقت خيالك ..

أيها الصغير الشقي .. أكنت لتختبئ منّي عند اقترافك الأخطاء، لو كنت تعلم بأنني سأظل الآن أبحث عنك إلى الأبد ؟!

هيّا اقترف ما شئت و قل ما تريد ، و حطّم ما تهوى من المنزل و اقطع ما شئت من أوراقي ، لأنني أسامحك الآن قبل اقترافها، عسى أن تظهر من خلف خِزانةٍ ما ، أو أسمع همسات ضحكك خلف الأبواب عندما تسمع صراخي قائلة : سامحتك ، هيّا اخرج نظّف ما فعلت !

ولكن .. حتّى لو علِمت موعد وفاتك منذ ولادتك ، سأنكسر و يُطفأ كل مافيّ من شعور ، و سأشتاقك و أشتاقك ، كما لم أفعل من قبل!

١٠:١٣ مَ:

عُدت إلى فراشي ، و عدت إلى سكون النهار ! بعدما عبِث فيّ جنون المَساء !

أشعر بأنني مقطُوعةٌ مكتوبةٌ بإتقان، بدأت النهار بسكونٍ شبيهٍ بلحنِ كمانٍ صغيرٍ لا يكاد يُسمع في مسرحٍ عظيم الحجم .. و مع الدقائق ، أدخل نحو حنيني إليه ، و تدخل بذلك الآلات تدريجيًا لتحمل اللحن إلى الأعلى ببطء ..

أرى أغراضه ، أشتم رائحته، فتبدأ كامل الأوركسترا باللحن الأقوى ، اللحن الأساسي ، العميق ، لحنُ القِصة !

يجيءُ الليل ، فيفقد المايسترو السيطرة، ترتفع أهازيج الأوتار ، و معها أصوات الأطفال الملائكية الذين يقفون في الخلف ، و يجنّ جنوني أنا! مع ظنوني الساذجة بأنه سيأتي في أي لحظة !

و فجأة ; يتوقف الكُل ، ماعدا الكمان الذي بدأ كل هذه الفوَضى ، ليعيد للمسرح سكونه ، و تعود لأجفاني نعاسها ..

يسحبني النوم شيئًا فشيئا بلا رغبة مني .. و يوقظني كل لحظة أصوات خطوات الجيرة من فوقي ..

أعود للنوم ، و وجهه هو آخر ما ألمح على سقفي المُنار بأضواء الطريق ..

أستدير بجسدي نحو اليسار حيث تركت الباب نصف مفتوح ، لسببٍ لا أعرف ما هو ..

و هناك ، حيث كان نور غرفة المعيشة يتسلل إلي، حجبه جسدٌ بطول الباب ، و معالم جِسم أشعر بأنني أعرفها ..

كنت على يقينٍ بأنني أحلُم ، و ابتسمت لأن في هذا الحُلم لم تكن لعُمر نظرات الانكسار ذاتها ..

يقترب مني ببطء ، و أرى ملامحه مع كل خطوة و كل ضربة من نور النافذة على وجهه ..

يزداد وضوح التجاعيد حول عينيه ، و الكثير من الشيب يغزو ملامحه التي لا تُنسى ، و بسمة حانية لم يقتلها الموت لا تزال في هدوئها الذي عهدت ..

ها هو ينزل بجسده بجانب سريري ، ويديه تعبثان بشعري ..

لقد بدا حقيقيًا للغاية ، و السرور فيني كأنه سيلٌ انفجر من أصغر ثقوب السد !

اخترت أن أصمت ، لم أعرف ماذا أقول .. و يداه استمرتا في المسح على شعري و إغراقي في الحلم الجميل أكثر ..

لقد كان في الصورة التي لطالما تمنيت رؤيته بها ، و حينها لفظ لساني ما يدور في خُلدي :

– أيكبُر الموتى بهذه السرعة يا عمر !

– الموتى لا يكبرون يا أمي ، وحدهم الأحياء يفعلون ذلك ..

– اشتقتُ إليكِ ! و أكره حبّك لي ، حبّك الذي عبِثَ بكِ إلى هذا الحد !

تعلّقت عيناي بهِ طويلًا ، و أنا انتظر كلمةً أخرى من صوته الذي ظننت بأني لن أسمعه مجددًا !

أخرج من جيبه علبة بيضاء مملوءة بالكبسولات ، و أخذ واحدةً ليدسّها في فمي بلطف ، و يتبعها بكأس ماء كان في يده ..

وضع العلبة جانبًا و يداه تعودان للوقوع على شعري و هو يمسح عليه بلطف ، و أنا تكاد سعادتي بهذا الحلم تقتلني ! و يا ليتها تفعل و ألحق به ، ولكنه – وكأنه قرأ عقلي – قال :

– ترينني حُلم ، و أراكِ واقعًا أتمنى لو يحنّ قليلًا و يعيدك إلي !

صمت لثواني ثم أردف :

– لقد كانت إشاعةً بلهاء ! فقدني أصحابي لسنتين بعد الحرب ; ثم أعلنوا موتي ! و لم يضع أحدهم انكسارك في الحِسبان ! لقد ضرب الانطباع الأول جذوره عميقًا فيكِ ! .. عُدت ، و لكن بالنسبة لكِ، فأنا دائمًا ما أعود حُلمًا ، الكل يراني حقيقةً و ترينني حُلمًا عصي على التحقيق !

دفن وجهه في صدري، و أنا أتحشرج بدموعي لأول مرة منذ الصبَاح !

أطال تقبيل حجري وهو يهمس :

– حرصت على جعلك تقرئين ما أريد منك معرفته كل يوم و كل ثانية ; بأنني سأمشي للمشيـب معك ، بكل طفولـةٍ في القلب !

حينها ، في تلك اللحظة فقط ، أحسست بالجسد الذي كنت أحمله طوال اليوم !!

و الكهولة التي آلمتني ، و قد كنت أظن حزني من فعل ذلك !

رفعت يدي على آثار النور الخافت ، و أنا أتأمل تجاعيدها التي حفرتها السنوات بإتقان !

لم أكن في السابعة و الثلاثين ! ولم يمت عُمر في الأمس !

حينها أمسك عُمر بيدي و هو يلثمها بحب و قد ملأ تفاصيلها بدمعه :

– ستستيقظين كل يوم ظنًا بأني رحلت ، و سآتي كل يوم لأخبرك العكس .. و سنروي كلانا القِصة

ترك يدي وهو يهمس :

– سأعود للنوم بجانبك ، ولكني سأغادر قبل الشروق ..

وتتبعته عيناي خارجًا ، و قد اجتمع كل ما في داخلي للهمس : أحقٌ أم حُلم !؟

١١:٠٠ مَ:

أنظف ما أكلته أمي، وأغسل لها الأطباق وأنا أفقد السيطرة على بكائي لرؤية ذاك الصحن أمام مقعدي!

تفعل ذلك كل يوم ، منذ ٢٥ عامًا!

و أزيد الطين بلة ، بجعلها تعيش ذات اليوم، كل يوم!

أترك غرفتي كما تركتها ليلة خروجي للحدود، و أعيد أسطوانة الفيديو إلى جهاز التشغيل أسفل التلفاز ، بعدما ضبطتها على البداية مجددًا ..

و أعود للنوم حيث كنت لأعود دائمًا ، هُناك، في حُجرها إلى الأبد!

و أهرب بكلِ يأس إلى منزلي الأعلى منها، قبل أن ترسل الشمس أشعتها ..

و قبل أن تستيقظ جنّتي الأزلية ، لتعيش يومًا لا يمضي!

أقمت انهياراتي، لأن لا شيء يدعو للثبات!

أقتل نفسي كل يوم بعينيها ، لعجزي عن إقناعها بحياتي !

أنا ميتٌ عندها ، وهي حيّة كالأموات!

٤ فبراير، ٢٠١٨

٩:٢٤ صَ:

أيقظني خوفي، و ثِقلٌ معدوم الملامح أراه يلُوح أمامي، كشيءٍ أسودٍ نزقٍ يسيل عبر ثغوري ، ثم يختبئ في الجدران.

أعتدل عن الاستلقاء ، مُدققةً في ملامح اليوم الأول بدونه ..

لا شيء ، لم تنوي الحياة أن تُسدل بيدها الحانية على كتفي ، أو أن تلبِس رداء العزاء لصباحٍ واحد، و تهمس للسماءَ ” أن أمطِري قليلًا من أجلها ! “.

كل شيء في مكانه المُعتاد ; الأشعة إلى قرارها النهائي داخل خزانتي عديمة الأبواب ، و ذات الطير …………

بقلم: العنود السبيعي

طالبة بكلية الطب ـ الرياض

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

5 × three =

Scroll To Top