آخر الأخبار
الـرئيســية -> أقـــلام -> “زرايب العبيد” استدعاء لمجتمع في ظل الاسترقاق

قـــــــــراءة أدبـــــيــــــــة

“زرايب العبيد” استدعاء لمجتمع في ظل الاسترقاق

FacebookTwitterGoogle+LinkedInEmail

“زرايب العبيد” رواية للكاتبة نجوى بنت شتوان.. وهي استدعاءٌ لتاريخ قريب ليس ضاربًا في القدم، استدعاءٌ لحقب زمانية ماضية مازالت إفريقيا تتلمَّظ قسوتها، وتحسُّ مرارة الإذلال والاحتقار في حلقها، إنه تاريخ الاسترقاق، والتجارة الرائجة عند أثرياء الشمال العربي والعنصر الأبيض في جنوب ووسط أوروبا وما وراء الأطلنطي.. لا شك أن أي قارئ للرواية من أصحاب السحنة السوداء سيحسُّ بالمهانة والضيم والقرف، لأنها رواية ممعنة في الواقعية بمفرداتها وتصويرها الممتع والمقزز معًا، وسيتملكه خوف متوهُّم وكأنهم سيُساق عنوة ـ رغم أفول عصر الرق ـ إلى زرائب العبيد في ليبيا والسوط يُلهب ظهره، وربما يتحسَّس بشرته براحتيْ يديه من أعلى إلى أدنى والعرق يتصبب منه، عرقٌّ دبغٌ لزج، وسيتساءل بحزن وأسى وهو يوغل في لُجَّة الرواية: هل السواد مُبرِّرٌ طبقي وثقافي للاسترقاق، ولماذا ارتبطت كلمتا (عبدٌ وأمَة) باللون الأسود؟

لقد أبدعت الروائية بنت شتوان وهي تُصوِّر بشاعة (تجار العبيد) من سكان ساحلي الأبيض المتوسط شمالاً وجنوبًا، وسلطت الضوء على استكبارهم وانتفاء آدميتهم في تعاملهم بالعنف والسُّخرة مع “مِلك اليمين”، واستطاعت رفع الغطاء عن غلظة عن حقبة من حقب المجتمع الليبي كنموذج فجٍّ لاستعباد الأسود وقهره، وتقسيم البشر إلى ألوان أعظمُها الأبيض وأحقرها نقيضه، أحدهما في القاع والآخر في الثريا، هوة سحيقة تفصل بين آدميَيْن، سيِّدٌ وعبدٌ، استعلاء للسيِّد المالك، ووضاعة للعبد المملوك، ملكوه بالسُّخرة والسطوة، وساقوه كالعجماء ليس له حق التفكير والقرار والاختيار، الرق ثقافة توارثتها مجتمعات مختلفة بفظاظة ووحشية وعنجهية مقيته، وبمفهوم يناوئ الفطرة السليمة، وينافي العقل السَّوي والأخلاق الإنسانية.

وروائية بهذا الخيال الثري الغض؛ قد تدفع القارئ إلى تصنيفها بإدخالها صوالين سيدات المجتمع المخملي، مجتمع الأسياد من الأعيان والتجار من ذوي البشرة البيضاء، أو أنها بنت أحدهم أو حفيدته نقل إليها وصوَّر لها كل تفاصيل أكواخ الزرايب وأزقتها، وما كان يموج به مسرح مجتمع السادة، وإلا لما انساب قلمُها بهذه السلاسة والتصوير البديع بخيال مُلهَم لواقع بئيس وآخر مُترف، واقع يمور برائحة العفن والعطن، ويطنُّ الذباب الأخضر في كل ركن أو زقاق فيه، وآخر موائده عامرة بالطيبات، وتضوع حجرات منازله بالمسك وبدهن العود المُعتَّق الفاخر المستجلب من إيطاليا وفرنسا، هؤلاء ينتعلون تراب الأرض، وأولئك أقدامهم محميَّة بأفخم منتجات مصانع الأحذية، هؤلاء أدنى منزلة وأولئك أعلى رفعة، المسافة بينهما شاسعة وعصيَّة على الإغلاق.

نجوى بنت شتوان، روائية ماهرة، تتمتع ببراعة في التصوير وفي تحويل الواقع الاجتماعي إلى مشاهد حية تدبُّ بالحركة، وتشُّدُّ قارئها بإبداعها إلى قلب المسرح، إلى قلب الحدث، وكأنه أحد شخصياته المشاركة حقًّا في صناعته، وأظهرت ملكة في استدعاء مفردات الشارع الليبي ومجتمع القاع في الفترة التي أرَّخت لها الرواية.

 لقد ترجم إيليا أبوماضي أنشودة من أدب الزنوج في أمريكا تُصوِّر انكسارَ الأسود وعارَه وانسحاقَ آدميته، ونظمها في هذه الأبيات:

فوق الجميـــزة ســنـجــاب          والأرنب يمـرح في الحقــل

وأنــا صــيـــَّــاد وثَّــــــاب          لكن الصيـــد علـــى مثــلــي

                   محظور إذ إني عبدُ

والديـك الأبيـض في القـنِّ          يختال كيوســف في الحســن

وأنا أتمنَّــى لـو أنّــــــــــِي         أصطــادُ الديـــــكَ ولكنِّــــــــي

                   لا أقدر إذ أني عبدُ

وفـتاتي في تلك الــــــــدار         ســــوداءُ الطلعـــــة كالقـــــــار

سـيـجيء ويأخـذهـا جاري         ياويحي من هـذا العــــــــــــــار

                   أفلا يكفي أني عبدُ

 

قراءة: أ. إبراهيم الصافي

نائب رئيس تحرير (نبض الجامعة)

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

twelve + 15 =

Scroll To Top