آخر الأخبار
الـرئيســية -> أقـــلام -> قراءة في مقتل بائع الكتب

قراءة في مقتل بائع الكتب

FacebookTwitterGoogle+LinkedInEmail

لا أدري هل اقرأ رواية ممتعة؟ أم أتبع الصحفي ماجد بغدادي كظله، وألاصقه على المقعد الخلفي لسيارة الأجرة التي أقلته إلى بعقوبة، ليلملم شتات سيرة رجل قُتِل غدرًا، أم أطالع سجلاًّ خفيًّا يؤرخ لفترة عربية تموج بالفعل السياسي الخاطئ، فترة تكتنز بالوشاية والمُخبرين والمؤامرات والانقلابات والسلوكيات الآثمة في عراق التاريخ والحضارة، تحيَّرت في فحوى رواية (مقتل بائع الكتب) وتداعياتها، أهي محض خيال؟ أم رصدٌ شديدُ الواقعية لحياة مثقف يتأرجح بين النظرية الماركسية والقيم الغربية؟ أهي شريط سينمائي عامر بالتفاصيل والأناقة العاطفية، ومرت بالجنس والشهوة والشبق؟ أم قصة محكيَّة تجري وقائعها على ألسنة شخصيات حقيقية أفرزها عصر التيه العربي الحديث المائج بولاءات وانتماءات وعقائد وأهمة وزائفة أو مصنوعة، أو ملتبسة ومشوبة بفوضى الانفلات، ومستسلمة لنداءات الغلو والتطرف، أو كانت نتاجًا لاختلالات وزلازل نفسية أحدثها إحباط عام لمجتمع أخفق في التناغم مع قيمه ومبادئه وأصالته، وتخاصم مع مجتمعه بسبب مجموعة من الهزات المتتالية التي أقضت مضجعه وهدَّدت أمنه واستقراره.

لقد أسرني الروائي سعد محمد رحيمة، وأخذ بتلابيبي يجرني جرًّا لا فكاك منه لأتابع قراءة الرواية بنهمٍ شديد، ولأعيش مع بائع الكتب في سردابه أساومه على أسعار بعض كتبه، وأشاركه مغامراته، وأضحك بعمق لسخرياته اللاذعة، وأسوح معه في فضاءات ثقافته الواسعة التي اكتسبها بإقبال شرهٍ على القراءة والاطلاع، وكم صحبته إلى داخل مطاعم تعبق صالاتها بدخان الشواء ورائحة السمك المقلي والمحمَّر، وكم استنكرتُ عليه نهمهُ وإقباله المحموم على التداوي بالتي هي الداء كما يقول النواسي، ربما لأن التربة التي أنبتتهما واحدة.

أي خيال إبداعي هذا الذي يتمتع به الروائي رحيم، أي قدرة تلك التي تجعل القارئ يتيَّقن أن كل التفاصيل التي اطلع عليها إنما هي توثيق دقيق وصادق لشخصيات حقيقية، بل ويُكذِّب الديباجة التي على غلاف الكتاب: “رواية.. مقتل بائع الكتب”، أي أنها ليست رواية يصنعها خيال خصب دفَّاق صاخب ضاج كتيارات النيل الأزرق، ويصوغها قلم كاتب روائي متمكِّن، وإنما هي مجريات أحداث تتداخل فيها السياسة مع الثقافة والفن والتاريخ والجنس، ووقائع مسرحها بغداد وبعقوبة وبراغ وباريس، لا مجرد إبداعات قلم، ولا مجرد تصوير لحقبة زمنية ترصد بدقة متناهية بنية الذهنية العربية وتوجهاتها وصراعاتها الفكرية والقومية والعقدية والوحدوية والانشطارية التي تلبَّست متأنقي الثقافة من أبناء العالم الثالث عقب الهبَّات الوطنية والتحررية، وما تلاها من عنف واضطرابات وانفعالات وتشنجات سياسية منتمية ولامنتمية.

الرواية بالفعل دراما كبيرة ذات بُعدٍ تراجيدي تؤرخ لجيل عريض منذ خمسينيات القرن الماضي وحتى العقد الأول من القرن الحالي، وتُشكِّل بناءً نفسيًّا بعيد الغور، ممتع وشائق لأبطال وشخصيات على اختلاف ثقافاتها ومشاربها وانتماءاتها ووظائفها في الحياة، مع براعة في إحكام لكل خيوط الوشائج الرابطة بينها فكريًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا وجغرافيًّا وعاطفيًّا، ولأول مرة يسند الروائي لنفسه باسمه المباشر دور (كمبارس) داخل حبكة الرواية، يقول ماجد بغدادي راصد سيرة المرزوق: “صديقي الروائي سعد محمد رحيم دلني عليك، كان لمدة ستة عشر عامًا في بعقوبة قيل أن يُهدَّم نصف منزله بانفجار عبوة ناسفة في 2006 فغادر المدينة.. هو صديقك كما قال، ويعرف المرزوق”…. وجود الروائي كشخصية داخل الرواية يعطي انطباعًا بأن كل الوقائع سردية وواقعية ولا جل للخيال بها.

يقول عنها الناقد د. حسن سرحان، “هذه الرواية شهادة كبيرة على تجدُّد الرواي وبراعته وتمكنه من صنعته، وامتلاكه لأدواته الفنية ومقدرته الإبداعية الممتازة التي تتجلى في حيازته لاستراتيجيات خاصة صارت اليوم وبعد نضوج تجاربه الكتابية تمنحه القدرة على مناورة قوانين ومقتضيات بُنى القص المستقرة التي رضخت لها ـ باستسلام كبير ـ معظم نماذج روايتنا العراقية الراهنة”.

 

إبراهيم الصافي محمد

مسؤول تحرير (نبض الجامعة)

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

thirteen + 19 =

Scroll To Top