آخر الأخبار
الـرئيســية -> أقـــلام -> الــــــعـــــم رِضـــــــا

قــــصـــة قــــصـــيـــرة

الــــــعـــــم رِضـــــــا

FacebookTwitterGoogle+LinkedInEmail

78

في قرية صغيرة تتربع وسط أكوام من الواحات الخضراء في جنوب شرق الجزيرة العربية، وقد تخلل معالمها ذاك السيل الصغير، الذي يشرب منه أهل قريتي كل صباح ليوقظوا أرواح الأجداد في دمائهم والتي تحثهم على رفع الفؤوس إلى الأكتاف ومزاولة العمل والحياة. نشأت وترعرعت في هذه الأرض حتى بلغت العاشرة من عمري، حينها بدأت أرى بدهشة طفولية حال قريتنا الصغيرة، هناك شيء من الحزن يعم أجواءها، شيء من الوِحدة يظهر بارزًا على سورها الطيني الذي يفصلها عن النخل الكثيف المحيط بها، فبعدما وصلت مظاهر التحضر إلى العاصمة والمدن الكبيرة، أخذ أهل قريتي يهاجرون شيئا فشيئا حتى لم يبق سوى القليل من العوائل.

في أحد الأيام أيقظتني أمي باكرًا وأنا أجهل أن هذا اليوم سيدخلني في متاهة من التفكير والتغيير الأبدي، لبست عباءتي الطويلة لأستر جسدي الصغير وأنظف بها أرضية منزلنا في نفس الوقت، ثم خرجت لأرى ذاك الذي انحنى ظهره وبطأت مشيته وقد لف نفسه بعباءته الصوفية، مشيت باتجاهه وأنا ألقي السلام بخفوت وقد لمحت خلفه مجموعة صغيرة من الفتيات بنفس عمري، رد علي السلام بصوته اللطيف ثم مشى أمامي وأنا أتبعه بصمت. لقد كان هذا (العم رِضا) المسؤول عن إيصال فتيات القرية الصغيرات إلى مدرستهن – و التي هي في الواقع مجرد غرفة في منزل إحدى نساء القرية المتعلمات – حيث نتلقى فيها أساسيات القراءة، والكتابة والحساب. كان هذا عمل العم رضا إلى جانب عمله في الفلاحة والأذان وإقامة الصلاة بصوته الجهوري. في ذاك الصبح بالتحديد رأيت وجهه عن كثب وقد طبع الزمن في عينيه لمعة وآثارًا، ونحت على وجنتيه قصصًا ورثاءً، نظرت إليه بشيء من الفضول وأنا أتساءل: ألا يمِل من حياته الرتيبة!

أمضيت ذاك اليوم بالكامل وأنا أفكر في ذاك العجوز: لم لا يهاجر إلى المدينة مثل الجميع؟ لم لا يحاول أن يكسر رتابة حياته بأمر مسلي بعض الشيء؟

استمر تفكيري المشفق والحزين على هذا الكهل، الذي سيظل وحيدًا بعدما يرحل الجميع حتى نحن، فقد أخبرني والدي أننا سنهاجر السنة القادمة بعدما أنهي دراستي، تساءلت في داخلي عن العم رضِا: ألا يمتلك حلمًا يقتات عليه إلى أن يباغته الموت؟ ألا يمتلك أملًا صغيرًا يعيش من أجله؟ ولكن تساؤلاتي هذه كلها تلاشت في مساء أحد الأيام حين طلبت مني والدتي أن أحمل للعم وزوجته بعض الطعام، بعدما سمعت أمي بمرض زوجته وعجزها عن القيام بأمور بيتها لوحدها، حملت آنية الطعام النحاسية وأنا أرتدي عباءتي الطويلة متجهة إلى منزله المنزوي في الركن الشمالي الشرقي من القرية، طرقت الباب وسرعان ما فتح لي وهو يلمح ما في يدي، ثم قال بابتسامة: جزاكم الله خير يا ابنتي.

أعطيته الآنية وكنت على وشك الرحيل، ولكن استوقفني صوت زوجته الدافئ وهي تقول لرضا: من التي تقف على الباب؟ ادعها للدخول. وبدافع الفضول ودون تفكير استدرت ودخلت، بالرغم من تحذيرات والدتي المتكررة بعدم دخول أي منزل بدونها. قطعت الباحة متوجهة نحو زوجة العم رضا، تلك العجوز اللطيفة المبتسمة على الدوام، كانت تجلس على بساط صغير بجانب باب غرفتها وقد سرق الإعياء والتعب الكثير من رونقها. قبلت رأسها و سرعان ما عرفتني وبدأت بسؤالي – وهي تجمع يديّ الصغيرتين بين كفيها – عن شؤوني وأحوال والدتي، وبعد انتهاءنا من الحديث، استدرت لأخرج و بلمحة خاطفة توقفت بدهشة وأنا أنظر إلى داخل الغرفة التي كنا نجلس بجانبها.

لقد كانت تحتوي على مكتبة كبيرة للغاية، و قد اصطفت بداخلها كتب وموسوعات من جميع الفئات. مشيت نحوها ببطء وأنا أنظر بعيني أعمى يرى النور للمرة الأولى. أيعقل أن تكون هذه مكتبة العم رضا ؟! ذاك الكهل الجاهل البائس !

اقتربت أكثر و أنا أمرر أصابعي الصغيرة على الكتب و قد خلت من الغبار و اصطفت بشكل مرتب و بتصنيف دقيق . انتفضت ببعض الخوف و أنا أسمع صوته خلفي قائلًا: هل أعجبتكِ الكتب ؟

لم أجب عليه وأنا أعيد نظري إليها، وما لبث طويلًا حتى اقترب مني وهو يقول : ما رأيك أن تأخذي واحدًا لتقرئيه ؟ يبدو أنك مغرمة بالقراءة، أليس كذلك ؟

تجاهلت سؤاله وأنا أسأله بشيء من الفضول: عم رضا؛؛ هل تعرف كيف تقرأ !؟

رد علي بلطف: بالتأكيد، إن العلم نور يا صغيرة، والله إنه لنور.

سكتنا لبرهة وقد استقرت كلماته في بهو ذاكرتي، ثم قلت له: طالما أنك متعلم، لم لا تهاجر إلى المدينة لتسكن هناك وتعمل؟ المدينة تريد المتعلمين أليس كذلك؟

أطرق رأسه قليلًا وهو يتوجه نحو أحد المساند و يجلس بتعب، ثم رفع بصره إلي ليقول: يا ابنتي، اسمعيني جيدًا، إن كنت متعلما فهذا لا يعني أنه يجب علي الرحيل وترك المكان الذي صنعني. عشت في هذه القرية 70 سنة، إن عمرها من عمري، انظري كيف تركها أهلها بلمح البصر، فإن رحلت أنا، فمن سيبقى؟ من الذي سيرفع النداء للصلاة كل يوم؟ من الذي سيجعل اسم الله عامرا فيها ! .. لم يبق هنا سوى عائلتين أو ثلاثة، وقريبًا سيرحلون هم أيضًا، لا أستطيع رؤية هذا المكان يموت، ولا أريد أن أكون ممن قتلوه!

قلت بهمس : لكن، ألا تمتلك حلمًا بأن ترتاح وتتعالج زوجتك وأن تجد الحياة التي ترضيك ؟

ضحك بلطف ثم قال : حلم ؟ لقد حققت حلمي يا صغيرة، أرضيت ربي، علمت نفسي القراءة و الكتابة و أقمت هذا المنزل العامر بي و بزوجتي، أعلم أن الله لم يكتب لنا الذرية، ولكن كل ما أردته حققته ولله الحمد . إن الحلم يا ابنتي ليس في أن تجوبي الأرض و تري كل شيء، إن الحلم هو أن تضعي رأسك على هذه الوسادة و أنتِ عالمة بأنك أرضيتي ربكِ، و فعلتي ما سيريح بالك. الحلم ليس محصورًا في وظيفة معينة أو أكوامًا من الأموال التي تسقط عليك، إن الحلم هو أن تعيشي حياتك دون أن يحن قلبك إلى شيء تركتيه خلفك، و أنا يحن قلبي لهذه الأرض، و إن راحتي و حلمي فيها .

سكتنا قليلًا ثم رأيته يقف من جديد متوجهًا نحو مكتبته الزاخرة و هو يسحب كتابًا صغيرًا و يمده لي قائلًا : خذي هذا و اقرئيه، ثم أعيديه إلى إخوته متى ما انتهيتِ منه .

أخذت الكتاب على استحياء و أنا أودعه و زوجته، ثم خرجت عائدة إلى المنزل .  و في الطريق، جال فكري بكلماته، تلك الكلمات التي صنعتني، كونتني، و التي جعلتني أفكر وبجدية : ما هو الشيء في حياتي الذي لا أريد أن يقتلني الحنين له ؟ ما الذي أريده و لا أقوى على تركه ؟! ما الذي يحمل لي معنى الحلم و الحياة ؟

عدت إلى المنزل و أنا أحمل كتاب العم رضا بين يدي، دخلت فتقدمت أمي بأسئلتها حول سبب تأخري، ولكن عقلي كان مشغول جدًا لدرجة أنني لم أسمع كلمة مما قالت !

دخلت فراشي و أنا أحتضن ذاك الكتاب الصغير، و نمت و أنا أفكر : يا تُرى، ماذا سيكون حلمي الذي أود تحقيقه ؟

ماذا سيكون حلمي الذي لن أتخلى عنه، ولن أسمح لأحد أن يفصل بيني و بينه ؟

وبعد ذاك المساء اللطيف، لم أر العم رضا قط ! فقد توفي بهدوء و سكينة بعد وفاة زوجته بساعات، و رحلنا نحن عن القرية بعد أشهر قليلة، بعدما كنا نخطط للرحيل بعد سنة .

و الآن، و قد كبرت و بلغت الثلاثين من عمري، و بينما أكتب لكم هذه القصة، يلتف أبنائي الصغار حولي، و يقف ذاك الكتاب الصغير في مكتبتي و قد وضعته في أعلاها، و هو الأغلى على قلبي . ذاك الكتاب و الذي كان إعارة من العم رضا، الكتاب الذي يذكرني بولائه لحلمه و نفسه وأرضه . ذاك الكتاب الذي أنظر إليه في كل مرة يجتاحني شعور بأن هناك شيء ما يسحبني بعيدًا عن حلمي، و دربي و حياتي.

 

 بقلم الطالبة/ العنود السبيعي

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

five + 19 =

Scroll To Top